مصطفى لبيب عبد الغني

187

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

واحدة نتفادى بها ضرورة الاعتقاد ، وهي أن نمسك عن التفكير . والإنسان متدين بقدر ما يضع قيمة سامية عليا مشروطة فوق جميع الأشياء من شأن كل قيمة أخرى أن تخضع لها . . وكون الانسان بحاجة إلى المطلق أمرّ لا يتعارض مع العقل أصلا « 1 » ، كما أن وضع غاية الحياة في معرفة المطلق هو جوهر التعاليم الفلسفية وجوهر الدين على السواء . وإن الشرك الذي هو قصور عقلي وخواء باطني يلازم بلادة الحس وجمود العاطفة أو اضطرابها « يؤدى إلى تلوين الحقيقة العلمية وإلى خروجها عن الموضوعية المطلوب توافرها في البحث العلمي . وإن التوحيد أو التوجه القلبي من جانب الإنسان لإله واحد يعبده ، ويخلص له في علمه وفي سلوكه ، خير عاصم للبشر . . . وهو الذي يحصّن العلماء في قراراتهم وتوصياتهم ويمثل الضمان الحقيقي لحيدة العلم ولاستقامة العلماء في سلوكهم وفي بحوثهم العلمية على السواء » « 2 » .

--> ( 1 ) Granger , Gilles - Gaston , " La raison , pp . 106 - 108 . ( 2 ) يحيى هويدى : « بناء الفرد والمجتمع من الداخل في النهضة الإسلامية المعاصرة » ص 10 ( بحث مقدم إلى اللقاء العالمي الثالث في قضايا الفكر الاسلامي ، كوالالامبور يوليو 1984 ) . وهذا التوجه العميق سوف يكشف عنه الغزالي - فيما بعد - بوضوح إذ يقرر أن المجاهدة العقلية هي العبادة الحقيقية ؛ « فالعلم هو السلم المؤدى إلى معرفة الله سبحانه . فهو الخط المكتوب المودع المعاني الإلهية . والعقلاء على اختلاف طبقاتهم يقرأونه ومعنى قراءتهم له فهمهم الحكمة التي وضع دالا عليها » . راجع : « معراج السالكين » ص 11 ، مطبعة كردستان ، القاهرة 1924 وأيضا : « إحياء علوم الدين » : كتاب « عجائب القلب » ) ، وأن « من لم تكن بصيرة عقله نافذة فلا تعلق به من الدين إلا قشوره بل خيالاته وأمثلته دون لبابه وحقيقته . فلا تدرك الأمور الشرعية إلا بالعلوم العقلية . . . والنقل جاء من العقل وليس لك أن تعكس . . . والمقلد الأعمى إذا تأمل أمور الشرع يتراءى له أمور متناقضة وهي كذلك بالإضافة إلى فهمه ، ثم قد تجبن نفسه عن التأمل فيه لضعف عقله وخور طبعه فيتكلف الغفلة عنه خيفة أن ينكسر تقليده . وقد يتأمله فيدرك تناقضه فيتحيّر ويبطل يقينه . ولو نظر بعين البصيرة لبطل التناقض ورأى كل شئ في موضعه » . ( راجع : « ميزان العمل » ص 112 - 113 ، 164 - 165 . و « المنقذ من الضلال » ص 97 ، و « معارج القدس » ص 104 ضمن مجموعة ، و « معراج السالكين » ص 299 ، و « الاقتصاد في الاعتقاد » ص 2 ) . وقارن أيضا : ما يذهب إليه « بفردج » بحق من أنه ربما كانت الحساسية العاطفية من المميزات التي يمكن أن يتحلى بها العالم . وعلى أية حال ، فالعالم الكبير ينبغي أن يكون فنانا خلاقا ، وإنه لخطأ كبير أن ينظر إليه على أنه مجرد شخص يتبع قواعد المنطق والتجارب » ، ( فن البحث العلمي ، ص 128 ) .